Tuesday, August 10, 2010

لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ- ما هو التشبيه وما حكمه

قال الله تعالى:
{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}
ما هو التشبيه وما حكمه


مقدمة:
مر معنا في مقدمة عقيدة السلف في صفات الله عز وجل أن الأسس التي تقوم عليها عقيـدة الإسلام في الصفات هي:
- إثبات ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله من الصفات والإيمان بها
- تنزيه الله عن مماثلة المخلوقات
- عدم الخوض في كيفية صفات الله
وهذا المقال سيتحدث عن الأساس الثاني وهو تنزيه الله عن مماثلة المخلوقات، وعدم تشبيه ذاته وصفاته بذوات المخلوقين وصفاتهم.



تعريف التشبيه:
في اللغة: الشِّبْهُ والشَّبَهُ والشَّبِيهُ: المِثْلُ، والجمع أَشْباهٌ، وأَشْبَه الشيءُ الشيءَ: مَاثَله.(1) فالتشبيه: التمثيل.(2)
وشَبَّه: إذا ساوَى بين شيءٍ وشيء. (3)
قال أبو القاسم إسماعيل الأصبهاني (ت. 535 هـ) : «وأما التشبيه: فهو مصدر شبّه يشبّه تشبيها، يُقال: شبهت الشيء بالشيء أ مثلته به، وقسته عليه، إما بذاته أو بصفاته، أو بأفعاله.» (4)


الأدلة على تنزيه الله عن التشبيه والتمثيل:

{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى : 11]
قال أبو جعفر النَّحّاس (ت. 338 هـ) عن الكاف في "كمثله" : «الكاف زائدة للتوكيد.» (5)
قال أبو منصور معمر بن أحمد الأصبهاني (ت. 418 هـ) : «فـ{ليس كمثله شيء} ينفي كل تشبيه وتمثيل، {وهو السميع البصير} ينفي كل تعطيل وتأول. فهذا مذهب أهل السنة والجماعة والأثر» (6)
{رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} [مريم : 65]
سميًّا: أي مثلا أو شبيها
{وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص : 4]
أي ليس له كفء ولا مثل.



التشبيه في صفات الله

أولا: التشبيه في صفات الله عز وجل يكون بتشبيه صفات لله بصفات المخلوق: كأن يعتقد المسلم أو يقول: حياة الله مثل حياة المخلوقين، أو كلام الله مثل كلام البشر، أو وجه الله كوجه المخلوقين .. إلخ. فيكون نفي التشبيه والتمثيل (أي التنزيه) باعتقاد أن صفات الله عز وجل ليست كصفات المخلوقين، وأنها على صفة تليق بجلال الله وكماله لا نعلمها، وعلينا الإيمان والتسليم.

- قال إسحاق بن راهويه (ت. 238 هـ) : «إنما يكون التشبيه إذا قال يد كيد أو مثل يد أو سمع كسمع أو مثل سمع. فإذا قال سمع كسمع أو مثل سمع فهذا التشبيه وأما إذا قال كما قال الله تعالى يد وسمع وبصر ولا يقول كيف ولا يقول مثل سمع ولا كسمع فهذا لا يكون تشبيها وهو كما قال الله تعالى فى كتابه: { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } » (7)

- قال خُشَيْش بن أصرم (ت. 253 هـ) في "الاستقامة" : «وأنكر جهم أن يكون لله سمع وبصر، وقد أخبرنا الله عز وجل في كتابه، ووصف نفسه في كتابه، قال الله تعالى {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى : 11]، ثم أخبر عن خلقه، فقال عز وجل {فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} [الإنسان : 2]. فهذه صفة من صفات الله أخبرنا أنها في خلقه، غير أنَّا لا نقول: إن سمعه كسمع الآدميين، ولا بصره كأبصارهم ...) ثم ذكر أدلة على أن الله يسمع ويرى، إضافة إلى صفات أخرى، ثم قال: (فقد وصف الله من نفسه أشياء جعلها في خلقه والذي يقول: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} وإنما أوجب الله على المؤمنين اتباع كتابه وسنة رسوله.» (8)

- قال عثمان الدارمي (ت. 280 هـ) في رده على بِشر المريسي المعتزلي:
«وادعى المعارض أيضا أن المقري حدَّث عن حرملة بن عمران عن أبي موسى يونس عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي –صلى الله عليه وسلم أنه قرأ: {سَمِيعًا بَصِيرًا} [النساء : 58] فوضع إبهامه على أذنه والتي تليها على عينه (9). وقد عرفنا هذا من رواية المقري وغيره كما روى المعارض، غير أنه ادعى أن بعض كتبة الحديث ثبتوا به بصرًا بعين كعين وسمعًا كسمع جارحًا مركبًا.
فيقال لهذا المعارض: أما دعواك عليهم أنهم ثبتوا له سمعا وبصرا، فقد صدقت. وأما دعواك عليهم أنه كعينٍ وكسمعٍ فإنه كذب ادعيت عليهم؛ لأنه ليس كمثله شيء، ولا كصفاته صفة.
وأما دعواك أنهم يقولون: "جارح مركب" فهذا كفر لا يقوله أحد من المسلمين، ولكنا نثبت له السمع والبصر والعين بلا تكييف، كما أثبته لنفسه فيما أنزل من كتابه، وأثبته له الرسول –صلى الله عليه وسلم-، وهذا الذي تكرره مرة بعد مرة: جارح وعضو وما أشبهه، حشو وخرافات، وتشنيع لا يقوله أحد من العالمين: وقد روينا روايات السمع والبصر والعين في صدر هذا الكتاب بأسانيدها وألفاظها عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فنقول كما قال، ونعني بها كما عنى والتكييف عنا مرفوع، وذكر الجوارح والأعضاء تكلف منك وتشنيع.»
(10)

- قال أبو إسحاق إبراهيم بن شاقلا الحنبلي (ت. 369 هـ) لأبي سليمان الدمشقي – أحد أتباع ابن كُلاب- في مناظرة بينهما عندما قال له أبو سليمان: "أنتم المشبهة"، قال ابن شاقلا: (حاشا لله، المُشبِّه الذي يقول: وجهٌ كوجهِي، ويَدٌ كَيَدِي، فأما نحن فنقول: له وجهه، كما أثبت لنفسه وجهًا، وله يدٌ، كما أثبتَ لنفسه يَداً، {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى : 11] ومن قال هذا فقد سَلِم.) (11)
- قال أبو عثمان الصابوني الشافعي (ت. 449 هـ) : (ولا يعتقدون تشبيها لصفاته بصفات خلقه، فيقولون: إنه خلق آدم بيديه، كما نص سبحانه عليه في قوله –عز من قائل- {قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ } [ص : 75]. ولا يحرفون الكلام عن مواضعه، بحمل اليدين على النعمتين، أو القوتين؛ تحريف المعتزلة والجهمية – أهلكهم الله-، ولا يكيفونهما بكيف، أو يشبهونهما بأيدي المخلوقين، تشبيه المشبهة –خذلهم الله-.) (12)

- قال ابن البنا الحنبلي (ت. 471 هـ) : (وأما المشبهة والمجسمة فهم الذين يجعلون صفات الله -عز وجل- مثل صفات المخلوقين، وهم كفار.) (13)
- قال الحافظ الذهبي (ت. 748) : (ليس يلزم من إثبات صفاته شيء من إثبات التشبيه والتجسيم، فإن التشبيه إنما يقال: يدٌ كيدنا ... وأما إذا قيل: يد لا تشبه الأيدي، كما أنّ ذاته لا تشبه الذوات، وسمعه لا يشبه الأسماع، وبصره لا يشبه الأبصار ولا فرق بين الجمع، فإن ذلك تنزيه.) (14)
- قال ابن الوزير (ت. 840 هـ) : (وكذلك كل صفة يوصف بها الرب سبحانه ويوصف بها العبد، وان الرب يوصف بها على أتم الوصف مجردة عن جميع النقائص، والعبد يوصف بها محفوفة بالنقص، وبهذا فسر أهل السنة نفي التشبيه، ولم يفسروه بنفي الصفات وتعطيلها كما صنعت الباطنية الملاحدة.) (15)


ثانيا: التشبيه والتمثيل يكون في كيفيّة وحقيقة الصفة، أي كيف هي على الحقيقة، وليس في معنى الصفة. والخوض في الكيفية تشبيه، فالإنسان يصف الشيء على ما يشاهده، والله {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير}.

- قال عبد الرحمن بن مهدي (ت. 198 هـ) لِفَتى من ولد جعفر بن سليمان: «مكانك»
فقعد حتى تفرق الناس. ثم قال ابن مهدي: «تعرف ما في هذه الكورة من الأهواء والاختلاف، وكل ذلك يجري مني على بالٍ رَضِي إلا أمرُك وما بلغني، فإن الأمر لا يزال هَيِّنًا ما لم يصر إليكم، يعني السلطان، فإذا صار إليكم جلَّ وعَظُم.»
فقال (الغلام) : "يا أبا سعيد وما ذاك؟ "
قال: « بلغني أنك تتكلم في الرب تبارك وتعالى وتصفه وتشبهه. »
فقال الغلام: "نعم". فأخذ يتكلم في الصفة.
فقال: «رُويدك يا بُني حتى نتكلم أول شيء في المخلوق، فإذا عجزنا عن المخلوقات فنحن عن الخالق اعجز واعجز. أخبرني عن حديث حدثنيه شعبة عن الشيباني قال: سمعت زرًا قال: قال عبد الله في قوله: {لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى} [النجم : 18]
قال: رأى جبريل له ستمائة جناح؟ قال: نعم. فعرف الحديث.
فقال عبد الرحمن: «صِف لي خلقًا من خلق الله له ستمائة جناح.» فبقي الغلام ينظر إليه.
فقال عبد الرحمن: «يا بُني فإني أُهوِّن عليك المسألة، واضع عنك خمس مائة وسبعة وتسعين (جناحًا)، صِف لي خلقا بثلاثة أجنحة، ركب الجناح الثالث منه موضعًا غير الموضعين اللذين ركبهما الله حتى أعلم»
فقال (الغلام) : "يا أبا سعيد، نحن قد عجزنا عن صفة المخلوق ونحن عن صفة الخالق أعجز وأعجز، فأشهدك إني قد رجعت عن ذلك واستغفر الله." (16)

قال الحسين البغوي الشافعي (ت. 510 هـ) في صفات الله عز وجل : (وكذلك كل ما جاء من هذا القبيل في الكتاب أو السنة كاليد والإصبع ، والعين والمجيء ، والإتيان، فالإيمان بها فرض، والامتناع عن الخوض فيها واجب، فالمهتدي من سلك فيها طريق التسليم ، والخائض فيها زائغ ، والمنكر معطل، والمُكيِّف مشبه، تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}) (17)


ثالثًا: الكلام في الصفات فرعٌ عن الكلام في الذات، فكما لم يلزم التشبيه في إثبات الذات، لم يلزم التشبيه في إثبات الصفات.

قال أبو القاسم إسماعيل الأصبهاني الشافعي (ت. 535 هـ) بعد ذكر مجموعة من الآيات والأحاديث في صفات الله عز وجل : (فهذا وأمثاله مما صح نقله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن مذهبنا فيه ومذهب السلف إثباته وإجراؤه على ظاهره، ونفي الكيفية والتشبيه عنه .... والأصل في هذا أن الكلام في الصفات فرع على الكلام في الذات، وغثبات الله تعالى إنما هو إثبات وجود لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات صفاته إنما هو إثبات وجود لا إثبات كيفية، فإذا قلنا يد، وسمع، وبصر، ونحوها، فإنما هي صفات أثبتها الله لنفسه ولم يقل: معنى اليد: القوة، ولا معنى السمع والبصر: العلم والإدراك. ولا نشبهها بالأيدي والأسماع والأبصار، ونقول إنما وجب إثباتها لأن الشرع ورد بها، ووجب نفي التشبيه عنها لقوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}، كذلك قال علماء السلف في أخبار الصفات: أمروها كما جـاءت. فإن قيل: فكيف يصح الإيمان بما لا يحيط علمنا بحقيقته؟ أو كيف يتعاطى وصف شيء لا درك له في عقولنا؟
فالجواب أن إيماننا صحيح بحق ما كلفنا منها، وعلمنا مُحيط بالأمر الذي ألزمناه فيها وإن لم نعرف لما تحتها حقيقة كافية، كما قد أمرنا أن نؤمن بملائكة الله وكتبه ورسله واليوم الآخر، والجنة ونعيمها، والنار وأليم عذابها، ومعلوم أنا لا نحيط علمًا بكل شيء منها على التفصيل، وإنما كلفنا الإيمان بها جملة واحدة، ألا ترى أنا لا نعرف أسماء عدة من الأنبياء وكثير من الملائكة، ولا يمكننا أن نحصي عددهم، ولا نحيط بصفاتهم، ولا نعلم خواص معانيهم، ثم لم يكن ذلك قادحا في إيماننا بما أمرنا أن نؤمن به من أمرهم. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في صفة الجنة: ”يقول الله تعالى: "أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.“ [صحيح البخاري ومسلم] .) (18)


رابعا: الاشتراك في مطلق الاسم لا يقتضي التشبيه والتمثيل:

- قال عثمان الدارمي (ت. 280 هـ) في رده على بِشر المريسي المعتزلي:
« إنما نصفه بالأسماء لا بالتكييف ولا بالتشبيه، كما يقال: إنه ملك كريم، عليم، حكيم، حليم، رحيم، لطيف، مؤمن، عزيز، جبار، متكبر. وقد يجوز أن يدعى البشر ببعض هذه الأسماء، وإن كانت مخالفة لصفاتهم. فالأسماء فيها متفقة، والتشبيه والكيفية مفترقة، كما يقال: ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء، يعني في الشبه والطعم والذوق والمنظر واللون. فإذا كان كذلك فالله أبعد من الشبه وأبعد. فإن كنا مشبهة عندك أن وحدنا الله إلهًا واحدًا بصفات أخذناها عنه وعن كتابه، فوصفناه بما وصف به نفسه في كتابه، فالله في دعواكم أول المشبهين بنفسه، ثم رسوله الذي أنبأنا ذلك عنه. فلا تظلموا أنفسكم ولا تكابروا العلم؛ إذ جهلتموه فإن التسمية في التشبيه بعيدة.» (19)

- قال ابن خزيمة الشافعي (ت. 311 هـ) : (نحن نقول: إن الله سميع بصير كما أعلمنا خالقنا وبارؤنا، ونقول: من له سمع وبصر من بني آدم فهو سميع بصير، ولا نقول أن هذا تشبيه المخلوق بالخالق.) (20)
وقـال: (ولو لزم - يا ذوى الحجا- أهل السنة والآثار إذا أثبتوا لمعبودهم يدين كما ثبتهما الله لنفسه، وثبتوا له نفسا -عز ربنا وجل-، وأنه سميع بصير، يسمع ويرى، ما ادعى هؤلاء الجهلة عليهم أنهم مشبهة، للزم كل من سمى الله ملكًا، أو عظيمًا ورؤوفًا، ورحيمًا، وجبارًا، ومتكبرًا، أنه قد شبه خالقه -عز وجل- بخلقه، حاش لله أن يكون من وصف الله جل وعلا، بما وصف الله به نفسه، في كتابه، أو على لسان نبيه المصطفى –صلى الله عليه وسلم- مشبها خالقه بخلقه.) (21)

- قال محمد بن إسحاق ابن منده (ت. 395 هـ) : (... وذلك أن الله تعالى امتدح نفسه بصفاته تعالى ، ودعا عباده إلى مدحه بذلك، وصدق به المصطفى صلى الله عليه وسلم، وبيّن مُراد الله عز وجل فيما أظهر لعباده من ذكر نفسه وأسمائه وصفاته، وكان ذلك مفهوما عند العرب غير مُحتاج إلى تأويلها، فقال عز وجل: {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ } [الأنعام : 54]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ” قال الله تعالى: (إني حرّمت الظلم على نفسي) “، وقال صلى الله عليه وسلم بيانًا لقوله: ”إن الله كتب كتابا على نفسه فهو عنده: إن رحمتي تغلب غضبي“، فبيّن مُراد الله فيما أخبر عن نفسه، وبيَّن أن نفسه قديم غير فانٍ بفناء الخلق، وأن ذاته لا توصف إلا بما وصف، ووصفه النبي صلى الله عليه وسلم، لأن المجاوز وصفهما يوجب المماثلة، والتمثيل والتشبيه لا يكون إلا بالتحقيق، ولا يكون باتفاق الأسماء، وإنما وافق اسم النفس اسم نفس الإنسان الذي سماه الله نفسًا منفوسة، وكذلك سائر الأسماء التي سمى بها خلقه، إنما هي مستعارة لخلقه منحها عباده للمعرفة ...
وإنما ينفي التمثيل والتشبيه النية، والعلم بمباينة الصفات والمعاني، والفرق بين الخالق والمخلوق في جميع الأشياء فيما يؤدي إلى التمثيل والتشبيه عند أهل الجهل والزيغ، ووجوب الإيمان بالله عز وجل وبأسمائه وصفاته التي وصف بها نفسه وأخبر عنه رسوله صلى الله عليه وسلم، وأن أسامي الخلق وصفاتهم وافقتها في الإسم وباينتها في جميع المعاني، بحدوث خلقه وفنائهم، وأزلية الخالق وبقائه، وبما أظهر من صفاته ومنع استدراك كيفيتها، فقال عز وجل: { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ }» (22)

- قال أبو عمر الطلمنكي المالكي الأندلسي (ت. 429 هـ) في كتاب "الوصول إلى معرفة الأصول" : (قال قوم من المعتزلة والجهمية: لا يجوز أن يسمى الله عز وجل بهذه الإسماء على الحقيقة ويسمى بها المخلوق. فنفوا عن الله الحقائق من أسمائه، وأثبتوها لخلقه، فإذا سُئلوا ما حملهم على هذا الزيغ؟ قالوا: الإجتماع في التسمية يوجب التشبيه.
قلنا: هذا خروج عن اللغة التي خوطبنا بها لأن المعقول في اللغة أن الإشتباه في اللغة لا تحصل بالتسمية، وإنما تشبيه الأشياء بأنفسها أو بهيئات فيها كالبياض بالبياض، والسواد بالسواد، والطويل بالطويل، والقصير بالقصير، ولو كانت الأسماء توجب إشتباها لاشتبهت الأشياء كلها لشمول إسم الشيء لها، وعموم تسمية الأشياء به، فنسألهم: أتقولون إن الله موجود؟ فإن قالوا: نعم. قيل لهم: يلزمكم على دعواكم أن يكون مشبها للموجودين. وإن قالوا: موجود ولا يوجب وجوده الإشتباه بينه وبين الموجودات. قلنا: فكذلك هو حيٌ، عالمٌ، قادرٌ، مريدٌ، سميعٌ، بصيرٌ، متكلمٌ، يعني ولا يلزم إشتباهه بمن اتصف بهذه الصفات.) (23)

قال أبو نصر السجزي الحنفي (ت. 444 هـ) : (والأصل الذي يجب أن يُعلم: أن اتفاق التسميات لا يوجب اتِّفاق المسمّين بها، فنحن إذا قلنا: إن الله موجود رؤوف واحد حيٌّ عليم سميع بصير متكلم، وقلنا: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان موجودًا حيًّا عالمًا سميعًا بصيرًا متكلمًا، لم يكن ذلك تشبيها، ولا خالفنا به أحدًا من السلف والأئمة، بل الله موجود لم يزل، واحد حي قديم قيوم عالم سميع بصير متكلم فيما لم يزل، ولا يجوز أن يوصف بأضداد هذه الصفات.) (24)


خامسًا: كل مُعطل مُمثل، وكل مُمثل مُعطل: وذلك لأن المُعطِّل تصوّر التشبيه في ذهنه فنفى الصفة، والمُمثل عطَّل الصفة بتمثيله الخالق بالمخلوق، إذ ليست هي حقيقة الصفة كما أنه عطل النصوص.

قال ابن بطة العكبري الحنبلي (ت. 387 هـ) في الإبانة: (الجهمية ترد هذه الأحاديث وتجحدها وتكذب الرواة، وفي تكذيبها لهذه الأحاديث رد على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعاندة له، ومن رد على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد رد على الله ؛ قال الله عز وجل : {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا } [الحشر : 7] ، فإذا قامت الحُّجة على الجَهْمِي، وعلم صحة هذه الأحاديث ولم يقدر على جحدها، قال: الحديث صحيح، وإنما معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: ”ينزل ربنا في كل ليلة“ ينزل أمره. قلنا: إنما قال النبي صلى الله عليه وسلم : ”ينزل الله عز وجل“ ، ”وينزل ربنا“ ولو أراد أمره لقال: «ينزل أمر ربنا». فيقول (الجهمي) : إن قلنا: "ينزل"، فقد قلنا: إنه يزول والله لا يزول، ولو كان ينزل لزال؛ لأن كل نازل زائل.
فقلنا: أوَ لستم تزعمون أنكم تنفون التشبيه عن رب العالمين؟ فقد صرتم بهذه المقالة إلى أقبح التشبيه، وأشد الخلاف؛ لأنكم إن جحدتم الآثار، وكذبتم بالحديث، رددتم على رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله، وكذبتم خبره، وإن قلتم: لا ينزل إلا بزوال، فقد شبهتموه بخلقه، وزعمتم أنه لا يقدر أن ينزل إلا بزواله على وصف المخلوق الذي إذا كان بمكان خلا منه مكان. لكنا نصدق نبينا صلى الله عليه وسلم ونقبل ما جاء به فإنا بذلك أمرنا وإليه ندبنا، فنقول كما قال: ”ينزل ربنا عز وجل“ ولا نقول : إنه يزول، بل ينزل كيف شاء، لا نصف نزوله، ولا نحدّه، ولا نقول: إن نزوله زواله.)



أقوال السلف الصالح والأئمة من بعدهم في تنزيه الله عن التشبيه:

- قال عبد الرحمن بن القاسم (ت. 191 هـ) صاحب الإمام مالك: «لا ينبغي لأحد أن يصف الله إلا بما وصف به نفسه في القرآن، ولا يشبه يديه بشيء، ولا وجهه بشيء، ولكن يقول : له يدان كما وصف نفسه في القرآن، وله وجه كما وصف نفسه، يقف عندما وصف به نفسه في الكتاب، فإنه تبارك وتعالى لا مثل له ولا شبيه، ولكن هو الله لا إله إلا هو كما وصف نفسه» (25)
- قال نُعيم بن حماد (ت. 228 هـ) : «حق على كل مؤمن أن يؤمن بجميع ما وصف الله به نفسه ويترك التفكر في الرب تبارك وتعالى ويتبع حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : "تفكروا في الخلق ولا تتفكروا في الخالق". قال نعيم : ليس كمثله شيء ولا يشبهه شيء من الأشياء» (26)

- قال عثمان الدارمي (ت. 280 هـ) : «وكما أنه ليس كمثله شيء فليس كيده يد.» (27)
وقال: «وكما ليس كمثله شيء ليس كسمعه سمع ولا كبصره بصر ولا لهما عند الخلق قياس ولا مثال ولا شبيه.» (28)
وقـال: «فهذه الأحاديث قد جاءت كلها وأكثر منها في نزول الرب تبارك وتعالى في هذه المواطن، وعلى تصديقها والإيمان بها أدركنا أهل الفقه والبصر من مشايخنا، لا ينكرها منهم أحد ولا يمتنع من روايتها، حتى ظهرت هذه العصابة (الجهمية) فعارضت آثار رسول الله برد، وتشمروا لدفعها بجد فقالوا: "كيف نزوله هذا؟" قلنا: لم نُكلف معرفة كيفية نزوله في ديننا ولا تعقله قلوبنا، وليس كمثله شيء من خلقه فنشبه منه فعلا أو صفة بفعالهم وصفتهم.» (29)

- قال ابن أبي زَمَنِين المالكي الأندلسي (ت. 399 هـ) : (فهذه صفاتُ ربِّنا التي وصف بها نفسه في كتابه، ووصفه بها نبيه صلى الله عليه وسلم، وليس في شيء منها تحديد، ولا تشبيه، ولا تقدير، فسبحان من {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير}. لم تره العيون فتحده كيف هو كَيْنُونِيته، لكن رأته القلوب في حقائق الإيمان به.) (30)
- قال يحيى بن عمار الحنبلي (ت. 422 هـ) في رسالته إلى السلطان محمود: (ولا نحتاج في هذا الباب إلى قولٍ أكثر من هذا أن نؤمن به، وننفي الكيفية عنه، ونتقي الشك فيه، ونوقن بأن ما قاله الله سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، ولا نتفكر في ذلك ولا نسلط عليه الوهم، والخاطر، والوسواس، وتعلم حقًّا يقينا أن كل ما تصور في همك ووهمك من كيفية أو تشبيه، فإن الله سبحانه بخلافه وغيره.) (31)

وغيرهم كثير، اقتصرنا على ما ذكرناه اختصارًا.



حُـكم التشبيه:
تشبيه صفات الله عز وجل كُفرٌ، فهو ردٌّ للنصوص كقوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى : 11]، وقوله سبحانه: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص : 4] وغيرها من نصوص التنزيه.

- قال نعيم بن حماد (ت. 228 هـ) : «من شبه الله بشيء من خلقه فقد كفر، ومن أنكر ما وصف الله به نفسه فقد كفر، فليس ما وصف الله به نفسه ورسوله تشبيه» (32)
- قال إسحاق بن راهويه (ت. 238 هـ) : «من وصف الله فشبه صفاته بصفت أحد من خلق الله فهو كافر بالله العظيم، لأنه وصف بصفاته، إنما هو استسلام لأمر الله ولما سن الرسول.» (33)
- يزيد بن هارون (ت. 206هـ) : قال شاذ بن يحيى الواسطي: كنت قاعدًا عند يزيد بن هارون، فجاء رجل فقال: يا أبا خالد، ما تقول في الجهمية ؟
قال: «يُستتابون، إن الجهمية غلت ففرغت في غلوها إلى أن نَفَت، وإنّ المشبهة غلت ففرغت في غلوها حتى مثلت. فالجهمية يستتابون، والمشبهة: كذى» رماهم بأمر عظيم. (34)



من علامات أهل البدع: تسميتهم لأهل السنة – أهل الأثر- بالمشبهة

- قال إسحاق بن راهويه (ت. 238 هـ) : « علامة جهم وأصحابه دعواهم على أهل الجماعة -وما أولعوا به من الكذب- أنهم مشبهة، بل هم المعطلة، ولو جاز أن يُقال لهم: هم المشبهة، لاحتمل ذلك، وذلك أنهم يقولن: إن الرب -تبارك وتعالى- في كل مكان بكماله، في أسفل الأرضين وأعلى السموات على معنى واحد، وكذبوا في ذلك، ولزمهم الكفر.» (35)

- قال أبو زرعة الرازي (ت. 264 هـ) : «المعطلة النافية الذين ينكرون صفات الله عز وجل التي وصف بها نفسه في كتابه، وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، ويكذبون بالأخبار الصحاح التي جاءت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصفات، ويتأولونها بآرائهم المنكوسة على موافقة ما اعتقدوا من الضلالة وينسبون رواتها إلى التشبيه، فمن نسب الواصفين ربهم تبارك وتعالى بما وصف به نفسه في كتابه، وعلى لسان نبيه –صلى الله عليه وسلم-، من غير تمثيل ولا تشبيه، إلى التشبيه فهو مُعطل نافٍ، ويُستدل عليهم بنسبتهم إياهم إلى التشبيه أنهم معطلة نافية، كذلك كان أهل العلم يقولون منهم: عبد الله بن المبارك، ووكيع بن الجراح.» (36)
وقـال: «علامة الجمهية: تسميتهم أهل السنة مشبهة» (37)

- وقال أبو حاتم الرازي (ت. 277 هـ) : «وعلامة الجهمية: أن يسموا أهل السنة مشبهة ونابتة» (38)
- قال أبو عثمان الصابوني (ت. 449 هـ) : (وعلامات البدع على أهلها ظاهرة بادية، وأظهر آياتهم وعلاماتهم: شدة معاداتهم لحملة أخبار النبي صلى الله عليه وسلم، واحتقارهم لهم، وتسميتهم إياهم حشويّة، وجهلة، وظاهرية، ومشبهة. اعتقادًا منهم في أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها بمعزل عن العلم، وأن العلم ما يلقيه الشيطان إليهم، من نتائج عقولهم الفاسدة، ووساوس صدورهم المظلمة، وهواجس قلوبهم الخالية عن الخير، العاطلة، وحججهم بل شبههم الداحضة الباطلة {أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ } [محمد : 23]، {وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ} [الحج : 18].) (39)



للسـؤال أو التعليـق على هذا المقـال


مواضيع ذات صلة:

- مقدمة في عقيدة السلف الصالح في صفات الله عز وجل
- عقيدة السلف في الصفات: معنى قولهم (أمروها كما جاءت)
- عقيدة السلف في الصفات: قولهم (بلا كيـف)




(1) لسان العرب لابن منظور، مادة: شبه.
(2) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية للجوهري (ج6 ص2236)
(3) تهذيب اللغة للأزهري (ج6 ص92)
(4) الحجة في بيان المحجة لإسماعيل الأصبهاني (ج1 ص306)
(5) معاني القرآن للنحاس (ص297)
(6) الحجة في بيان المحجة لأبي القاسم إسماعيل الأصبهاني (ج1 ص231-244)، قال: "أخبرنا أحمد بن عبد الغفار بن أشتة، أنا أبو منصور معمر بن أحمد قال: ... " وذكر الاعتقاد.
(7) رواه عنه تلميذه أبو عيسى الترمذي في سننه / سنن الترمذي (ج2 ص42)
(8) التنبيه والرد على أهل البدع والأهواء للملطي (ص89-90)
(9) سنن أبي داود حديث رقم (4730) كتاب السنة، باب في الجهمية، سنده صحيح.
(10) نقض الدارمي (ج2 ص688-689)
(11) طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (ج3 ص239)، قال: "قرأت بخط الوالد السعيد (أبو يعلى) قال: نقلتُ من خط أبي بكر بن شاقلا قال: أخبرنا أبو إسحاق بن شاقلا – قراءة عليه- قال: ... فذكر المناظرة.
(12) عقيدة السلف أصحاب الحديث للصابوني (ص37) تحقيق أبو اليمين المنصوري ، و(ص161-162) بتحقيق ناصر الجديع
(13) المختار في أصول السنة لابن البنا (ص 81)
(14) الأربعين في صفات رب العالمين (ج1 ص104)
(15) إيثار الحق على الخلق لابن الوزير (ص128)
(16) شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي (ج3 ص530 و531) رواها من طريق ابن أبي حاتم في "الرد على الجهمية" عن أبيه أبي حاتم الرازي عن عبد الرحمن بن عمر رسته عن ابن مهدي. ورواه أبو نعيم الأصبهاني في "حلية الأولياء" (ج9 ص8) بسند آخر إلى عبد الرحمن بن عمر رسته. ونقله الذهبي في سير أعلام النبلاء (ج9 ص196) و تاريخ الإسلام (ج13 ص284).
(17) شرح السنة للبغوي (ج15 ص257)
(18) الحجة في بيان المحجّة لإسماعيل الأصبهاني (ج1 ص288-289)
(19) نقض الدارمي (ج1 ص302-303)
(20) كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب عز وجل لابن خزيمة (ج1 ص61 فما بعده)
(21) كتاب التوحيد (ج1 ص64)
(22) كتاب التوحيد لابن منده (ج3 ص7-9)
(23) العلو للعلي الغفار للذهبي (ص246)
(24) درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية (ج2 ص89-90)
(25) أصول السنة لابن أبي زمنين (ص75) بسنده قال: حدثني إسحاق (بن إبراهيم الطليطلي)، عن محمد بن عمر بن لبابة، عن محمد بن أحمد العتبي، عن عيسى بن دينار، عن عبد الرحمن بن القاسم أنه قال: .... وذكره.
(26) شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي (ج3 ص527) قال: "ذكره عبد الرحمن (بن أبي حاتم) قال : وجدت في كتاب أبي: نعيم بن حماد قال: ...." وذكره.
(27) نقض الدارمي على بشر المريسي (ج1 ص299)
(28) نقض الدارمي (ج1 ص308)
(29) الرد على الجهمية للدارمي (ص79)
(30) أصول السنة لابن أبي زمنين (ص74)
(31) الحجة في بيان المحجة لإسماعيل الأصبهاني (ج2 ص107)
(32) شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي (ج3 ص532) من طريق ابن أبي حاتم الذي رواه في "الرد على الجهمية" عن عبد الله بن محمد بن الفضل الصيداوي (وهو صدوق [الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (5/163)] ) عن نعيم بن حماد. سير أعلام النبلاء للذهبي (ج10 ص610) بسندٍ آخر؛ تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر (ج62 ص163) بسنده.
(33) شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي (ج3 ص532) بسند صحيح من طريق عبد الرحمن بن أبي حاتم الذي رواه في كتابه "الرد على الجهمية".
(34) شرح أصول اعتقاد أهل السنة (ج3 ص531-532)
(35) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي (ج3 ص532) بسند صحيح من طريق عبد الرحمن بن أبي حاتم الذي رواه في كتابه "الرد على الجهمية".
(36) الحجة في بيان المحجة (ج1 ص187)، قال: قال أبو الشيخ: حكى إسماعيل بن زرارة قال: سمعت أبا زرعة الرازي قال: ... فذكره.
(37) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي (ج1 ص180) بسند صحيح
(38) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي (ج1 ص182) و(ج3 ص533)
(39) عقيدة السلف أصحاب الحديث للصابوني (ص 299) تحقيق ناصر الجديع؛ ورواه عن الإمام الصابوني الإمام إسماعيل الاصبهاني من طريق ابن الإمام الصابوني أبو بكر (ج 1 ص203-204)

كتاب " مذهب أهل التفويض في نصوص الصفات "

كتاب " مذهب أهل التفويض في نصوص الصفات " مع التعريف به

الحمدلله رافع الحق و ناصر لوائه , و الصلاة و السلام على نبينا محمد و آله


و بعد


فهذا كتاب " مذهب أهل التفويض في نصوص الصفات " للشيخ أحمد بن عبد الرحمن القاضي , ناقش فيه الشيخ بأساليب رائقة، و حجج فائقة , مذهب المفوضة في الصفات , و بيّن فيه أغاليطهم و مخالفتهم لطريقة السلف الصالح و الأئمة الأجلاء رحمهم الله


نبذة عن منهج المفوضة في الصفات الالهية :

نذكر كلام العلامة السفاريني الحنبلي رحمه الله فيهم كما ذكر ذلك في كتابه لوامع الأنوار :


هم أهل التجهيل " الذين يقولون : إن الرسول لم يعرف معاني ما أنزل عليه من آيات الصفات ، ولا جبريل يعرف معاني الآيات ، ولا السابقون الأولون عرفوا ذلك ، وكذلك قولهم في أحاديث الصفات ، وأن الرسول تكلم بكلام لا يعرف معناه "اهـ


و خلاصة كلامهم :

إن قوله -تعالى-: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) [ طه : 5 ] ، عبارة عن « ا ل ر ح م ن ع ل ى ا ل ع ر ش ا س ت و ى »، وأنها لا تفيد أكثر من ذلك، فيجعلونها كالكلام الأعجمي أو الحروف المرصوصة بلا معنى، وقالوا إن لها تفسيراً مجهولاً لا نعلمه، غير التفسير الذي نعرفه من اللغة العربية، وهذا كلام باطل.


فمثلا :

كلمة « السمع » كلمة معلومة مفهومة لا تحتاج إلى تفسير , فإن الطفل الصغير يدرك معناها إذا قلت له: هل تسمعني؟ سيقول: نعم، وهكذا ألفاظ البصر والنزول و الإستواء و غيرها، ألفاظ معلومة المعاني، بيّنة و جلية للسامع لا تحتاج لتفسير .


و قد أوقفنا الخصوم في المناقشات و الردود المكتوبة على إثبات أن السلف لا يعرفون معاني هذه الألفاظ و لا مدلولاتها و مقتضياتها بل يعتبرونها بمثابة الحروف المعجمية : أ ب ت ث ج ح خ د" فأسقط في أيديهم ، وفزعوا إلى التحريف ، والتهويل و لم يستطيعوا إثبات ذلك و أنّى لهم !



و أكثر ما يحزن الواحد على أمثال هؤلاء المغرر بهم أنهم لا يفهمون عقيدة أهل السنة على الوجه الصحيح بل يفترون عليهم بما يسمعونه من شيوخهم و كبارهم , فأحدهم يقول لك : أنتم تقولون أن اليد والوجه .. ألخ جوارح! و عندما نسأله أين قلنا ذلك يبدأ مسلسل الحيدة و الهروب !

و آخر يقول لك : انتم مشبهة لأنكم تقولون يجب الرجوع الى المعاجم اللغوية لمعرفة معاني هذه الألفاظ !!! و عندما نسأله أين قلنا ذلك يبدأ مسلسل الحيدة و الهروب !

و غير ذلك من التهم و الإفتراءات و التصورات المغلوطة عن عقيدة أهل السنة في هذا الباب



فهؤلاء مساكين حقاً و صدقاً : نأسف على حالهم , و نسأل الله لهم الهداية من الغواية انه ولي ذلك و القادر عليه



هذا الكتاب :


أصل الكتاب رسالة علمية تقدم بها الشيخ لنيل درجة الماجستير فاختصرالمؤلف بعض أبوابه و مباحثه فكان هذا الكتاب الرائق




وقد اشتمل الكتاب على عدة أبواب وفصول ، تفصيلها كما يأتي :


الباب الأول :

و فيه فصول ذكر فيها أصل التفويض و نشأته


الباب الثاني :

و فيه أربعة فصول

ذكر فيه شبهات أهل التفويض من إستدلالاتهم ببعض ما وقع لهم من عبارات السلف و هي حجة عليهم لا لهم و مع ذلك حرّفوا الكلم عن مواضعه فناقشها المؤلف ثم نقضها


ثم عقد مبحثاً في ذكر عبارات السلف الصريحة في الإثبات و بيّن مجمل طرق السلف في إثبات الصفات

وقد لخصتها كالآتي :


1 – تبيان معناه بألفاظ معينة كما في صفة الإستواء حينما قال السلف انه العلو و الإرتفاع ردا على من تأوله بالإستيلاء و كالنزول حيث فُسر بالهبوط في الحديث الشريف

2 - و منه : تحقيق معنى الصفة كما فعل نبينا محمد صلى الله عليه و سلم غير مرة و كما فعل السلف كذلك , كما في صفات القبض و البسط و السمع و البصر و غيرها .

3 - و منه : ذكر بعض لوازمه و ما يقتضيه كما في صفتي الضحك و النزول

4 - و منه : ذكر بعض أحكام هذه الصفة و تنبيه السامع بمثال ينبه على ذلك كما صفة اليد و الوجه و الرؤية و غيرها

هذه مجمل الطرق التي جاءت في إثبات المعاني عن السلف الصالح و الأئمة الأجلاء


الباب الثالث :


و فيه ثلاثة فصول ذكر فيها لوازم التفويض و أدلة بطلانه و الآثار العملية المترتبة على القول بالتفويض

للتحميل :


http://www.al-aqidah.com/userfiles/File/tafwyz.rar

رابط آخر

http://www.4shared.com/file/107323281/54826a0d/_____-________.html



التمهيد ويشمل:
المبحث الأول: لمحـة تاريخية عن نشأة الكلام في الأسماء والصفات
العصر النبوي وقرن الصحابة
عصر التابعين وتابعيهم إلى زمن القول بخلق القرآن
عصر المحنة بالقول بخلق القرآن
عصر نشر السنة والرد على المخالفين
نشأة المذهب الأشعري
الصراع بين السلف والأشاعرة

المبحث الثاني: اتجاهات أهل القبلة حيال نصوص الصفات
1) التمثيل.
2) التعطيل المحض.
3) التحريف.
4) التوقف.

البــاب الأول
حقيــقة التفويض ونشأته
الفصل الأول : حقيقة التفويض
الفصل الثاني: ظهور مذهب التفويض
المبحث الأول : نشأته و الأسباب التي أدت إلى ظهوره.
المبحث الثاني : تطــوره.
في عصر الدارمي وابن قتيبة
عند الأشعري
عند الخطابي
عند ابن فورك
عند القاضي أبي يعلى
عند البيهقي
عند أبي المعالي الجويني
عند أبي حامد الغزالي
عند الشهرستاني
عند ابن الجوزي
خلاصة

الفصل الثالث : أمثلة من مقالات التفويض
1/ عند الباحثين في العقائد
ابن خلدون
مرعي بن يوسف الكرمي
محمد بن أحمد السفاريني
حسين بن محمد الطرابلسي
2/ عند المفسرين
ابن الجوزي
الفخر الرازي
القرطبي
أبو حيان
الألوسي
رشيد رضــا
3/ عند الكتاب المعاصرين
محمد أبو زهرة
حسن البنا
عبد الرحمن بن حسن بن حنبكة الميداني

الباب الثاني
شبهات أهل التفويض ومناقشتها

الفصل الأول : استدلالهم بالقرآن .
المبحث الأول : المحكم والمتشابه
المبحث الثاني : التأويل والظاهر
مناقشة شبهات المفوضة في الاستدلال بالقرآن

الفصل الثاني : استدلالهم بالمأثور
المبحث الأول : عبارات السلف التي احتج بها المفوضة
1) إمرار النصوص
2) نفي المعاني عنها
3) نفي تفسيرها
4) الســـكوت
5) التفويــــض

المبحث الثاني: عبارات السلف الصريحة في الإثبات

الفصل الثالث: دعوى أن التفويض هو الطريق الأسلم

الفصل الرابع : دعوى أن العقل ليس له مدخل في باب الصفات
المبحث الأول : تعريف العقل واستعمالاته
الثاني : موقف الإسلام من العقل
الثالث: وظيفة العقل في باب الصفات

الباب الثالث: لوازم مذهب التفويض وادلة بطلانه
الفصل الأول: اللوازم الباطلة
القدح في حكمة الرب –عز وجل-.
الوقوع في التعطيل المحض
الطعن في القرآن
غلق باب التدبر
مصادمة النصوص الدالة على الإثبات
تجهيل النبي صلى الله عليه وسلم والسابقين الأولين
مخالفة طريق السابقين وسبيل المؤمنين

الفصل الثاني : أدلة بطلان التفويض السمعية و العقلية

الفصل الثالث : الآثار العمــــلية للقول بالتفويض
1) انحسار مذهب السلف وغلبة مذهب الخلف
2) الاستهانة بالنصوص الشرعية
3) عدم وضوح المنهج العقدي لدى بعض الحركات الإسلامية


21 مايو، 2009

المؤولة و المفوضة - التعطيل والتجهيل عند الاشاعرة

0

التفويض..الجهل والجفاء - لفضيلة د.عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف


التفويض..الجهل والجفاء - لفضيلة د.عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف

التفويض..الجهل والجفاء

قرر السلف الصالح أن صفات الله - تعالى - معلومة المعنى ومجهولة الكيفيـة، كمـا قـال الإمـام مالك بـن أنس - وكذا شيخه ربيعة الرأي -: « الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة »1.
وبيَّن ذلك شيخ الإسلام أبو عثمان الصابوني ( ت 449هـ ) قائلاً: « وقد أعاذ الله - تعالى - أهل السُّنة من التحريف والتشبيه والتكييف، ومَنَّ عليهم بالتعريف والتفهيم، حتى سلكوا سبيل التوحيد والتنزيه... »2.
فأفصح في هذه العبارة عن مجانبة السلف طرائق التحريف والتمثيل والتكييف، ولزوم سبيل التعريف والتفهيم خلافاً لأرباب التجهيل والتفويض.
وقال قِوام السُّنة الأصفهاني ( ت 535هـ ): « ينبغي للمسلمين أن يعرفوا أسماء الله وتفسيرها؛ فيعظموا الله حق عظمته، ولو أراد رجل أن يعامل رجلاً طلب أن يعرف اسمه وكُنْيَتَه، واسم أبيه وجدِّه، وسأل عن صغير أمره وكبيره؛ فالله الذي خلقنا ورزقنا، ونحن نرجو رحمته ونخاف من سخطه أَوْلَى أن نعرف أسماءه ونعرف تفسيرها »3.
فمعاني الصفات الإلهية معلومة؛ إذ إن الله أمر بتدبُّر القرآن كله في عدَّة آيات، فقال - سبحانه -: { كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ } [ص: ٩٢] وقال - تعالى -: { أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا } [محمد: ٤٢] .
والتدبُّر هو: أن يفهم آيات القرآن ويعقِلها ويعلم معانيها، وأشرَفُ ذلك آيات الصفات... « وإذا كان الله قد حَضَّ الكفار والمنافقين على تدبُّره، عُلِمَ أن معانيه مما يمكن للكفار والمنافقين فهمها ومعرفتها؛ فكيف لا يكون ذلك ممكناً للمؤمنين؟ وهذا يبيِّن أن معانيه كانت معروفة بيِّنةً لهم »4.
وأما أهل التفويض5 والتجهيل؛ فهم القائلون بأن نصوص الصفات ألفاظ لا تُعْقَل معانيها، ولا ندري ما أراد الله ورسوله منها، ولكن نقرؤها ألفاظاً لا معاني لها؛ فجعلوا أسماء الله وصفاته بمنزلة الكــلام الأعجمي الذي لا يُفهم6!
ومذهب التجهيل والتضليل وإن كان مقابلاً لمذهب أهل التحريف والتأويل المذموم، إلاَّ أن منشأ الاشتباه واحد؛ إذ إن طائفتَيِّ التفويض والتحريف قد انقدح في أذهانهم أن في إثبات نصوص الصفات تمثيلاً وتشبيهاً7؛ فنفوا الصفات الإلهية التي دلَّت عليها نصوص الوحيين، واستروحوا إلى التفويض تارةً، والتحريف تارةً أخرى8، كما في جوهرة ( الأشاعرة ):
وكل نصٍّ أوْهَمَ التشبيها أوِّلْه أو فوِّض ورُمْ تنزيها
ومن ذلك أن أبا المعالي الجويني سلك التعطيل والتحريف، كما في كتابه ( الإرشاد ) ثم أعقب ذلك بالتفويض والتجهيل في ( الرسالة النظامية )9.
ولئن كان الأشاعرة والماتريدية ونحوهم يترنَّحون بين تأويل مذموم وتفويض مجهول؛ فيسوِّغون المذهبَيْن بدعوى: « أن مذهب السلف أسلم، ومذهب الخلف أعلم وأحكم! »
والمصيبة أن متسنِّنَةً في هذا العصر قد غشيتهم هذه اللوثة؛ فتوثبوا على عقيدة السلف الصالح، وتنكَّبُوا الهدى والنور، والعلم والبصيرة، ولَحِقهم الولع والهوس بمذهب التجهيل والتفويض، فنعوذ بالله من الحور بعد الكور10.
ولئن كان التفويض ناشئاً عن جهل بمذهب السلف، أو ضلال بتصويب طريقة الخلف، فربما كان باعث ذلك الشهوة وحظوظ النفس، والتفلُّت من لزوم الصراط المستقيم: « إن النفوس فيها نوع من الكِبر؛ فتحبُّ أن تخرج من العبودية والاتباع بحسب الإمكان، كما قال أبو عثمان النيسـابوري - رحمه الله -: ما ترك أحد شيئاً من السُّنة إلا لِكِبْر في نفسه، ثم هذا مظنَّة لغيره؛ فينسلخ القلب عن حقيقة اتباع الرسول - صلى الله عليه وسلم - ويصير فيه من الكِبْر وضعف الإيمان بالله ما يفسد عليه دينه »11.
ويقـال لهـؤلاء المفوِّضـة: هـا أنتـم تثبتون أن اللـه - تعالـى - ذاتاً - تليق به سبحانه - تعقلونها وتعْلَمونها، فكذا أسماؤه وصفاته - عز وجل - تُعلم وتُعْقَل؛ فالقول في الصفات كالقول في الذات12.
« ويقال أيضاً: أتقولون بهذا التجهيل في جميع أسماء الله - تعالى - وصفاته؟ فإن قالوا: هذا في الجميع كان هذا عناداً ظاهـراً وجحداً لما يُعلم بالاضطرار من دين الإسلام، بل كُفْر صريح؛ فإنا نفهم من قوله - تعالى -: { وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ } [الأعراف: ٦٥١] معنىً، ونفهـم من قولـه - تعالـى -: { إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ } [إبراهيم: ٧٤] معنىً، وصبيان المسلمين بل وكل عاقل يفهم هذا.
ويقال لهذا المعاند: فهل هذه الأسماء دالة على الإله المعبود أم لا؟ فإن قال: لا، كان معطِّلاً محضاً، وما أعلم مسلماً يقول: هذا، وإن قال: نعم، قيل له: فلم فهمت منها دلالتها على نفس الرب، ولم تفهم دلالتها على ما فيها من المعاني من الرحمة والعلم، وكلاهما في الدلالة سواء؟ »13.
ومن أَوْجُه فساد مذهب التفويض: « أن هذا قدح في القرآن والأنبياء؛ إذ كان الله أنزل القرآن وأخبر أنه جعله هدىً وبياناً للناس، وأمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يبلغ البلاغ المبين، وأن يبيِّن للناس ما نُزِّل إليهم، وأمر بتدبُّر القرآن وعَقْلِه، ومع هـذا؛ فأشرف مـا فيـه - وهـو مـا أخبـر الــربُّ عـن صفـاتـه - لا يعلم أحد معناه؛ فلا يُعْقَل ولا يُتَدبَّر! ولا يكون الرسول بلَّغ البلاغ المبين... فتبيَّن أن قول أهل التفويض من شر أقوال أهل البدع والإلحاد ».14
« إن من أعظم أبواب الصدِّ عن سبيل الله وإطفاء نور الله، والإلحاد في آيات الله وإبطال رسالة الله، دعوى أن القرآن لا يُفهم معناه، ولا طريق لنا إلى العلم بمعناه... فمن كان يرى أن الذي أمر الله به، أن تكون الأمة كلها لا تعقل معاني الكتاب، فهو ممن يدعو إلى الإعراض عن معاني كتاب الله ونسيانها، ولهذا صار هؤلاء ينسون معانيه حقيقة؛ فلا يخطر بقلوبهم المعنى الذي أراده الله ولا يتفكرونه... »15.
ومن الأجوبة العقلية والضرورية في ردِّ هذا التجهيل؛ أن من قرأ مصنَّفات الناس في الطب والنحو والفقه والأصول... لكان من أحرص الناس على فَهْم معنى ذلك، ولكان من أثقل الأمور عليه قراءة كلام لا يفهمه، فإذا كان السابقون - رضي الله عنهم - يعلمون أن هذا كلام الله وكتابه الذي أنزله إليهم وهداهم به، أفلا يكونون أحرص الناس على فهمه ومعرفة معناه؟ بل ومن المعلوم أن رغبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في تعريفهم معاني القرآن أعظم من رغبته من تعريفهم حروفه16...
وها هنا ضرورة فطرية، وأمر وَجْديٌّ لا انفكاك عنه؛ وهو أن التعرف على الله بأسمائه وصفاته وما يستلزم ذلك من محبته وعبادته لهو أكبر المقاصد وأجلُّ المطالب؛ فمعرفة هذا، أصل الدين، وأساس الهداية، وأفضل ما اكتسبته القلوب، وأدركته العقول؛ فلا يُتَصوَّر أن يكون السلف الصالح كلهم كانوا مُعْرِضين عن هذا؛ لا يسألون عنه، ولا يشتاقون إلى معرفته، ولا تطلب قلوبهم الحــق فيه، وهــم - ليلاً ونهاراً - يتوجهون بقلوبهم إليه - سبحانه - ويدعونه تضرعاً وخفية، ورغبةً ورهباً. والقلوب مجبولة مفطورة على طلب العلم بهذا، ومعرفة الحق فيه، وهي مشتاقة إليه أكثر من شوقها إلى كثير الأمور17.
ويتعذر على هؤلاء المفــوِّضة أن ينكــروا ما يجــدونه في قلوبهــم من محبة اللـه - تعالــى - لما لــه - سبحانه وتعالى - من صفات الكمال والجلال والجمال، ولعظيم نِعَمِه وكثرة آلائه...
وكذا استصحاب الخوف من ملك الملوك، ومالك يوم الدين، هو ناشئ عن ظهور آثار أسمائه وصفاته الدالة على بطشه، وقهره، وعدله، وانتقامه... كما يمتنع أن يجحدوا ما في أنفسهم من الطمع برحمة الله ورأفته؛ إذ يرجون رحمته ويرغبون إليه.
إن التعرُّف على الله - تعالى - والعلم بأسمائه الحسنى وصفاته العُلا والتفقه في فهم معانيها يحقــق عبــادة الله - تعالى - ومحبته وخشيته ورجاءه؛ فكلما ازداد العبد معرفة بربِّه ازداد إيماناً وتوحيداً18.
قال ابن القيِّم: « لا يستقر للعبد قَدَم في المعرفة - بل ولا في الإيمان حتى يؤمن بصفات الربِّ - جل جلاله - ويعرفها معرفة تخرج عن حدِّ الجهل بربِّه؛ فالإيمان بالصفات وتعرُّفُها هو أساس الإسلام، وقاعدة الإيمان، وثمرة شجرة الإحسان »19.
والمقصود أن مذهب التفويض بلوازمه الفاسدة وما يؤول إليــه، من شــر المذاهب؛ لِـمَا فيه من الطعــن في حكمــة الله - تعالى - ورحمته وعلمه... ونفي صفاته، وانتقاص القرآن في هدايته وبيانه وشفائه، والقدح في سيد المرسلين - صلى الله عليه وسلم - من جهة عِلْمِه وبيانه ونُصْحه؛ إذ هو - صلى الله عليه وسلم - أعلم النــاس بــربه - سبحانه وتعالى - وأفصح الناس وأنصح الناس... واستجهالِ السابقين الأولين، ولَـمْزِ الصحابة - رضــي الله عنهم - بقلَّة العلم وضعف الحكمة..
وما كان لمذهب التجهيل والتضليل أن يروج على فئام من المسلمين، لولا تقصير علماء ودعاة أهل السُّنة والجماعة عن تبليغ رسالات الله ومدافعة شبهات المبطلين، لا سيما وأن مذهب التفويض قد ينشأ عن ضعفٍ وقعودٍ عن مجالدة أرباب التأويل الفاسد؛ فقد يعلم بعضهم فساد تأويلات المحرِّفين لآيات الصفات، لكنه يضعف عن تحقيق الإيمان بمعاني القرآن؛ فيركن إلى الجهل، ويخلد إلى التفويض، ويُعْرِض عن معاني القرآن ولا حول ولا قوة إلا بالله20.
أخرجه اللالكائي في شرح أصول السُّنة: 2/398، والصابوني في عقيدة السلف: ص 181، والذهبي في العلو: ص 98 وغيرهم.
2 عقيدة السلف أصحاب الحديث: ص 63.
3 الحجة في بيان المحجة: 1/22.
4 القاعدة المراكشية لابن تيمية: ص 30.
5 كتب د. أحمد القاضي رسالة علمية متينة بعنوان: «مذهب أهل التفويض في نصوص الصفات عرض ونقد» تزيد على ستمائة صفحة، وهي مطبوعة متداولة؛ بيَّن حقيقة هذا المذهب مع الرد على شبهاتهم، وقد انتفعتُ بها.
6 انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية: 13/295، والصواعق المرسلة لابن القيم: 2/422.
7 انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية: 5/476.
8 الحموية لابن تيمية: ص 205، 206.
9 انظر: الدرء: 3/381.
10 مثل يُضرب لمن أصابه نقصٌ بعد زيادة.
11 اقتضاء الصراط المستقيم: 2/612.
12 هذا الأصل الكبير «القول في الصفات كالقول في الذات» قرره جمع من المحققين: كالخطابي، والخطيب البغدادي، وابن الزاغوني، وأبي عثمان الصابوني، وابن عبد البر، وابن تيمية رحمهم الله.
13 مجموع الفتاوى: 13/297 ،298 (بتصرف يسير).
14 الدرء: 1/205،204 (باختصار).
15 جواب الاعتراضات المصرية لابن تيمية: ص 24، 25 (باختصار).
16 انظر: جواب الاعتراضات المصرية: ص 14، والقاعدة المراكشية: ص 29.
17 انظر: الحَمَوية: ص 196، والقاعدة المراكشية: ص 47، 48.
18 انظر: تفسير السعدي: 1/24.
19 مدارج السالكين: 3/347.
20 انظر: تفصيل ذلك في: جواب الاعتراضات المصرية لابن تيمية: ص 26-31.

شبهة تفويضية

السلام عليكم ورحمه وبركاته

هذه
شبهة تفويضية يكثر المبتدعة الأشاعرة يا شيخنا الكريم من تردادها وهي قولهم:

قلتم يا سلفيون في جميع صفات الله سبحانه أنها معلومة المعنى مجهولة الكيف ، فما جوابكم إن سألناكم عن معنى اليد والساق والرجل؟ وعن معنى الضحك والغضب؟ وهل المعنى الذي تثبتونه هو ما ورد في معاجم اللغة أم هو شيء آخر؟ فإن كان شيئاً آخر فبينوه فإن لم تذكروا شيئاً في بيان هذا المعنى فأنتم في الحقيقة مفوضة وإن كابرتم.


الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله ...

مذهب أهل السنة والجماعة في أسماء الله وصفاته هو المذهب الحق الموافق لصحيح المنقول وصريح المعقول، وهو مبني على ثلاثة أصول: الإثبات لما أثبته الله لنفسه، ونفي مماثلته تعالى لخلقه، ونفي العلم بالكيفية.

فأما الإثبات فدليله قوله تعالى: (فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا والله بما تعملون خبير)، ونظائر هذه الآية، فمن الإيمانِ الإيمانُ بما وصف الله به نفسه أو صفه به رسوله.

ودليل نفي التمثيل قوله تعالى: (ولم يكن له كفواً أحد)، (ليس كمثله شيء) ، ونحو ذلك.

ودليل نفي العلم بالكيفية قوله تعالى: (ولا يحيطون به علماً) ، وقوله تعالى: (ولا تقف ما ليس لك به علم)، وقوله تعالى: (قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون).

ومعلوم أن الأسماء والصفات التي جاءت مضافةً إلى الله أيضاً جاءت مضافة إلى العباد، بل بعض الصفات المضافة إلى الإنسان تأتي مضافة إلى الحيوان، كالوجه واليد والرأس والعين، ومعلوم أنه لا يلزم من الاتفاق بين الإنسان والحيوان في هذه الأسماء أن يكون الإنسان مماثلاً للحيوان وإلاّ لصح أن يقال الإنسان كالقرد والخنزير والحمار أو غيرها من الحيوانات التي تضاف إليها تلك الصفات، ولكن لما كانت هذه المخلوقات مشاهدة كانت كيفياتها معلومة.

وكذلك بعض الصفات المضافة للإنسان كالوجه واليد والعين، أو المضافة إلى بعض الحيوان كالجناح، جاءت مضافة للملائكة، كما قال تعالى: (والملائكة باسطوا أيديهم)، وقال: (جاعل الملائكة رسلاً أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء).

ومعقول من معنى اليد المضافة للملائكة والإنسان أنها التي يكون بها الأخذ والعطاء والفعل والقبض والبسط.

ويكون بالجناح الطيران.

ولم يلزم من ذلك أن أيدي الملائكة كأيدي الناس والحيوان، ولا أجنحتهم كأجنحة هذه الطيور، فمعناها معقول وكيفيتها مجهولة، هذا مع أن الجميع مخلوق.

فصفات الملائكة مباينة لصفات الإنسان والحيوان ومعانيها مفهومة للمخاطبين، وشأن الله أعظم من ذلك، فكل موصوف صفاته مناسبة له، فإن كان الله لا يماثل شيئاً من مخلوقاته ولا يماثله شيء من خلقه فكذلك صفاته، فهو سبحانه ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله.

ومذهب أهل السنة في هذا الباب هو الصراط المستقيم، وكل من خالفهم فقد انحرف عن الصراط بدرجات متفاوتة، ومذهب أهل السنة مستقيم لا تناقض فيه ولا اضطراب، والمذاهب المخالفة متناقضة فيثبتون الشيء وينفون نظيره، وينفون الشيء ويثبتون نظيره، وهذا لازم لكل من نفى شيئاً مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا مخرج لهم عن هذا التناقض إلاّ بالرجوع إلى الحق بإثبات كل ما أثبته الله لنفسه، وأثبته له رسوله على الوجه اللائق به سبحانه، أو ينتهي به الأمر إلى غاية الإلحاد بنفي وجود الله سبحانه وتعالى.

والمعطلة لجميع الصفات من الجهمية والمعتزلة بنوا مذهبهم على شبهات زعموها حججاً عقلية عارضوا بها نصوص الكتاب والسنة، وزعموا أن ما دلت عليه هذه الحجج هو الحق الذي يجب اعتقاده، وأن ظواهر النصوص كفر وباطل، فأوجبوا لذلك صرفها عن ظاهرها، بشتى التأويلات التي لا دليل عليها، فجمعوا بين التعطيل لصفات الرب وتحريف كلامه وكلام رسوله.

وأما الأشاعرة فقد شاركوا الجهمية والمعتزلة في كثير من باطلهم في هذا الباب، فنفوا أكثر الصفات وأثبتوا القليل منها، وحجتهم فيما نفوه هي حجة الجهمية والمعتزلة في نفي جميع الصفات، فشاركوهم في المذهب والاستدلال، وما أثبتوه من الصفات لم يسلم من التخليط، كما في مسألة كلام الله تعالى ومسألة الرؤيا، فكانوا بهذا الإثبات والنفي متناقضين أظهر تناقض، فما يحتجون به على ما نفوه يقتضي نفي ما أثبتوه، وما احتجوا به فيما أثبتوه يقتضي إثبات ما نفوه، فلزمهم إما إثبات الجميع أو نفي الجميع، ولكنهم اختلفوا في موقفهم من نصوص الصفات التي نفوها.

فمنهم من يوجب في هذه النصوص التأويل وذلك بصرفها عن ظاهرها إلى معاني محتملة مرجوحة، ومعاني بعيدة بغير حجة يجب المصير إليها، وسبيلهم في هذا سبيل الجهمية والمعتزلة فيجمعون بين التحريف والتعطيل والحكم على النصوص بأن ظاهرها هو التمثيل الباطل، ومنهم من يوجب في هذه النصوص التفويض وحقيقته أن هذه النصوص لا تدل على معنى مفهوم فلا يفهمها أحد لا الرسول ولا الصحابة فضلاً عن غيرهم، ولازم هذا المعنى بل حقيقته أن نصوص هذه الصفات ليس فيها بيان للناس، ولا هدى ولا شفاء ولا تكون من أحسن الحديث، فإن ما لا معنى له، وما لا يفهمه أحد لا يحصل به شيء من ذلك، وليس أهل التفويض من الأشاعرة وغيرهم بأقل ضلالاً وانحرافاً من أهل التأويل، فإنهم يشتركون في ما نفوا من الصفات، فيشتركون في التعطيل، ويشتركون كذلك في أن هذه النصوص لا يجوز اعتقاد ظاهرها، فظاهرها غير مراد عندهم، ولا ريب أن من كان يعتقد أن ظاهرها التشبيه فإنه لا يجوز أن يكون هذا الظاهر مراداً، ولكن أهل السنة يأبون ذلك، فالله سبحانه وتعالى أعلم وأحكم من أن يكون ظاهر كلامه هو تمثيله بخلقه، فإنه تعالى لم يخبر بما أخبر به من أسمائه وصفاته إلاّ مع تنزيهه عن مماثلة خلقه كما في قوله تعالى: (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير)، فأثبت لنفسه السمع والبصر ونفى أن يماثله شيء من خلقه، ومعاني أسمائه سبحانه وصفاته معلومة للمخاطبين فإن الله أنزل هذا القرآن بلسان عربي مبين، وبهذه النصوص المفهومة عرف المؤمنون ربهم بأنه ذو سمع حقيقة وسع الأصوات، وذو بصر حقيقة فلا يغيب عنه شيء، وذو حياة حقيقة فلا تأخذه سنة ولا نوم، وهو الحي الذي لا يموت، وهو ذو قدرة تامة فلا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وذو علم محيط بكل شيء فلا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، وهو تعالى منزه عن أضداد هذه الصفات من الصمم والعمى والموت والعجز، وكما أنه سبحانه موصوف بهذه الصفات بمعانيها المفهومة للمخاطبين كذلك القول في سائر ما وصف الله به نفسه، من الاستواء على العرش والنزول إلى السماء الدنيا كل ليلة في الثلث الأخير من الليل، والمحبة والرضا والغضب والفرح والضحك مما جاء في القرآن أو في السنة، معانيها معلومة وكيفياتها غير معقولة لنا، مع الجزم بأن ما يختص به الرب من هذه المعاني ليس مماثلاً لما يختص به المخلوق، حتى الوجود؛ الله موجود، والعبد موجود، وليس وجود الخالق كوجود المخلوق، ولا وجود المخلوق كوجود الخالق وإن كان كل منهما هو وجود ضد عدم، ولا يلزم من الاتفاق في معنى كلي اتفاقهما فيما يختص بالخالق أو يختص بالمخلوق.

والتعبير عن الأسماء والمعاني التي في معاجم اللغة منه ما هو تفسير بما يختص بالمخلوق، كتفسير الغضب بغليان دم القلب، أو تفسير الرحمة بأنها رقة، وما أشبه ذلك، ومنها ما هو تفسير بالمعنى العام الذي يصلح أن يضاف إلى الخالق وأن يضاف إلى المخلوق، كما إذا قيل العلم ضد الجهل، والحياة ضد الموت، والسمع إدراك الأصوات، والبصر إدراك المرئيات، وكثير من المعاني يصعب التعبير عنها بحد جامع مانع لكنها معقولة، مثل المحبة والبغض، بل الحياة والسمع والبصر إنما تفسر بذكر أضدادها ومقتضياتها اللازمة لها، ولا يعني ذلك نفي حقائقها فتثبت المحبة مثلاً وما تستلزمه من الثواب، والبغض وما يستلزمه من العقاب، ونفي الحقيقة وإثبات لازمها تعطيل مع ما فيه من التناقض، فإن إثبات اللازم يقتضي إثبات الملزوم، ونفي الملزوم يقتضي نفي اللازم.

وقد جاء عن أئمة أهل السنة القول الفصل المتضمن للحق الخالص فمن ذلك قول الإمام مالك لما سئل عن الاستواء: الاستواء معلوم، والكيف غير معقول.

وقال غيره في نصوص الصفات: تمر كما جاءت بلا كيف،أي لا يتعرض لها بالتأويل، بل يؤمن بها، والإيمان بها يتضمن الإيمان بألفاظها وبمعانيها فإن ما لا معنى له لا يقال فيه: بلا كيف.

فيجب الإيمان بأنه تعالى كما وصف نفسه وكما وصفه رسوله وكل ما جاء من ذلك فهو حق على حقيقته اللائقة به سبحانه، فكما تقول الله تعالى حي والمخلوق حي وليس الحي كالحي، والله تعالى سميع بصير وليس السميع كالسميع ولا البصير كالبصير، نقول كذلك إنه تعالى يحب ويرضى ويبغض والمخلوق يوصف بهذه الصفات وليس ما يضاف لله من هذه الصفات مثل ما يضاف للمخلوق، فنعرف ربنا بأنه يحب أولياءه ويرضى عنهم ويبغض أعداءه ويسخط عليهم، كذلك نؤمن بأنه يفرح بتوبة عبده كما أخبر أعلم الخلق به، وفرحه يتضمن محبته والرسول صلى الله عليه وسلم أخبر بذلك ترغيباً في التوبة إلى الله، فإن الذي ينبغي للعبد أن يسارع إلى ما يحبه مولاه ويفرح به، وفرحه تعالى بتوبة عبده ذلك الفرح يدل على عظيم كرمه وإحسانه وهو تعالى أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.

فنسأله تعالى أن يرحمنا وأن يتوب علينا.


السؤال الثاني : نريد تقويمك شيخنا لهذا لجواب وهو أن يقال:

<<إن السؤال عن معاني هذه الكلمات عي، لأنه إنما يكون هذا السؤال عن كلمة غريبة في اللغة وإلا فالسمع والوجود واليد والرجل والساق والرضا والغضب كلمات واضحة جلية للسامع وأئمة الأشاعرة لما أرادوا أن يوضحوا الواضح اضطربوا في هذا غاية الاضطراب حتى أن الغزالي في المنخول ص94 بعد أن زيف جميع تعاريف من سبقه لـ"العلم" قال: ((والمختار أن العلم لا حد له إذ العلم صريح في وصفه مفصح عن معناه ولا عبارة أبين منه، وعجزنا عن التحديد لا يدل على جهلنا بنفس العلم))إلخ ما قال وأمثال هذه النصوص عن هؤلاء كثيرة . أما كيفية هذه الصفات وكنهها فهو مجهول لنا ولعل السائل إنما يسأل عن الكيف بصورة السؤال عن المعنى للتلبيس. أما المعاجم فإما أن تعطي بالنسبة لهذه الألفاظ الواضحات: 1- مفردة مرادفة للمعنى الكلي لـ "اللفظ" المراد البحث عن معناه أو ما يضاده في المعنى كأن يقال "القدم" هي "الرجل" و "العلم" هو "الإدراك" و"الرضا" ضد "الغضب" واللفظ المستفاد هنا كما هو واضح إما أن يكون أخفى من اللفظ الأول أو أنه مساوي له في الظهور وهنا سيعيد هذا السائل السؤال بالنسبة لمعنى اللفظ الآخر . 2- أو تعطي هذه المعاجم بعض الأمثلة من حقائق هذا المسمى في الخارج لتقرب معناه الكلي من الذهن لكن لا يجوز أن يعتقد قط بأن كيفية صفات الله سبحانه تماثل كيفية صفات المخلوقين المذكورة تعالى الله سبحانه عن كل نقص وعيب. فإن قيل فما هو المعنى المشترك لصفات ربنا سبحانه والذي قلتم بأنه واضح وجلي للسامع و الذي فارق به أهل السنة المفوضة المبتدعة قيل هو المعنى المتبادر الذي يفهم من خلاله أحكام الصفة والأفعال التي يصح تعلقها بها ولوازمها و آثارها ويفهم من خلاله -ولولاه لما فهمنا هذا-ما يقارب اللفظ في المعنى وما يرادفه وما يضاده ونحو هذا. وهذا المعنى هو الذي يُفهم من لفظة الصفة في سياقها الوارد ويفهمه كل من سلمت فطرته من تغيير ممن يفهم بتلك اللغة ". فما تعليقكم يا فضيلة الشيخ على هذا الجواب؟>>.

الجواب:

الذي أرى أنه جواب سديد، ومداره على أن هذه الصفات المسؤول عنها واضحة المعنى مفهومة وأنها أوضح من كثير مما تفسر به، كما ورد الاستشهاد بذلك بما قال الغزالي في العلم، ويمكن أن يقال مثله في الحياة والمحبة والرحمة والفرح، ولهذا يلجأ بعض أهل اللغة أصحاب المعاجم إلى تفسيرها بذكر أضدادها، أو يقولون: معروف.

والموردون للسؤال من الأشاعرة عليهم أن يوردوا هذا السؤال على أنفسهم فيما أثبتوه فما يجيبون به هو جوابنا عن هذا السؤال فيما نفوه، فإن كان ما أثبتوه لله من الحياة والقدرة والسمع والبصر أثبتوها بمعانيها المعقولة المفهومة على الوجه اللائق به سبحانه، والمعقول من معاني هذه الأسماء أن الحياة ضد الموت، والعلم ضد الجهل، والقدرة ضد العجز، والسمع ضد الصمم، والبصر ضد العمى، فليقولوا مثل ذلك في سائر ما نفوا من صفات الله، سواء كانوا من أهل التأويل أو التفويض، وهذا هو المطلوب.

وإن نفوا ما نفوا من الصفات فراراً من محذور فما زعموه لازماً من إثبات تلك الصفات هو لازم لهم فيما أثبتوه فلابد لهم من إثبات الجميع لله على ما يليق به أو نفي الجميع وحينئذ يخرجون عن مذهبهم المضطرب إما إلى الحق المستقيم، أو إلى ما هو أبطل مما ذهبوا إليه، ومن أراد الحق واجتهد في طلبه وتحريه هدي إليه، "فمن تدبر القرآن طالباً الهدى منه تبين له طريق الحق فإن الله لا يخلف الميعاد، قال تعالى: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين)".

أما المعنى المشترك فهو القدر الذي يثبت لكل من يصدق عليه الاسم العام، ويسمى المتواطئ لأن أفراده تتفق في معناه إما مع التساوي أو مع التفاوت، فالأول كالإنسان فإنه اسم للنوع البشري. والثاني كالنور فإنه يصدق على نور الشمس، ونور السراج الضئيل، ومن هذا القبيل لفظ الوجود والموجود فإنهما يصدقان على كل وجود وكل موجود مع التباين العظيم كما في وجود البعوضة والعرش، وأعظم من ذلك التباين بين وجود الواجب ووجود الممكن، فالقدر المشترك هو مسمى الاسم المطلق فالوجود ضد العدم، والموجود ضد المعدوم، فهذا القدر لا يختلف فيه موجود وموجود أو وجود ووجود والله أعلم.


السؤال الثالث: إذا صح أن يقال في صفات مثل الحياة والقدرة والغضب والرضا أن السؤال عنها عيٌّ حيث إن المرء لا يستطيع أن يعبر عن معاني هذه الصفات الخاصة به فهل يقال مثل ذلك في اليد والساق والضحك لاسيما وأن المرء يستطيع أن يعبر عن معاني هذه الصفات؟

الجواب:

السؤال عن هذه الصفات على وجهين؛ سؤال عن حقائقها وكيفياتها، وهذا هو السؤال الذي قال فيه الإمام مالك: "والسؤال عنه بدعة"، لأنه سؤال عما لا سبيل إليه، ولا يمكن أحداً الجوابُ عنه.

والثاني سؤال عن معانيها، وهذه الصفات مع وضوحها لا يكون السؤال عنها إلاّ من متعنت متكلف، كالذي يسأل عن الماء والشمس والإنسان، ولا نقول إن هذه الألفاظ لا يمكن التعبير عن معناها. بل كل لفظ يمكن تفسيره إما بمرادفه أو بذكر ضده أو بذكر بعض آثاره وما يحصل به، والمقصود هو إفهام المراد وتقريبه.

ولا ريب أن المسميات منها أمور معنوية مدركة بالعقل، وأمور حسية تدرك بالحس، ومعلوم أن تصور الأمور المحسوسة أكمل من تصور الأمور المعقولة، هذا ومن الأمور العقلية ما تكون معرفته والقطع به أعظم من المحسوس، وهذا يرجع إلى تفاوت المدارك، والقضايا من حيث الظهور والخفاء.


السؤال الرابع: هل من إشكال إذا قال قائل: اليد صفة لله بها يقبض و بها يبسط ... و هي يد حقيقية فليست القدرة أو القوة ... و لا يعرف حقيقتها إلا الله، وأننا إذا رأيناها يوم القيامة عرفناها، كما في الحديث أن الله سبحانه وتعالى يتجلى للمؤمنين بالوصف الذي كانوا يعرفونه به في الدنيا ، و إننا لا نعرف ما وراء ذلك؟

الجواب:

إذا قال قائل اليد صفة لله تعالى يقبضها ويقبض بها ما شاء ويبسطها ... وهي يد حقيقة.. إلى آخر ما ذكر فلا إشكال فيه، أما رؤية اليد، فالرؤية لم ترد إلاّ مجملة أو إلى وجهه الكريم، فنثبت هذا والباقي نسكت عنه.


السؤال الخامس:

ما قولكم شيخنا فيمن يقول أنا لا أثبت إلا ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم أو ما أثبته أهل القرون الثلاثة الأولى و لا أزيد على ذلك حرفاً وإن كان صحيح المعنى إذ يسعني ما وسعهم، فيقول في قوله استوى أي: علا وارتفع، ويقول إن الساق صفة حقيقية قد جعل الله كشفها يوم القيامة علامة يعرفه بها عباده المؤمنون، ويقول في القدم إنهما قدمان وإن الكرسي موضعهما وأنه سبحانه يضع قدمه في النار حتى تقول قط قط ، فهل يجب عليه ما هو فوق ذلك؟

الجواب:

هذه الجملة تحتاج إلى تفسير، فكيف يكون صحيح المعنى ولم يثبته الله تعالى لنفسه ولا أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم؟ لكن ينبغي أن يعلم أنه ليس كل ما صح أن يخبر به عن الله صح أن يكون اسماً له أو صفة يثنى بها عليه، فإن باب الأخبار أوسع من باب التسمية والنعت والثناء، وذلك كلفظ الشيء والموجود وواجب الوجود والقديم، فإن هذه الألفاظ يصح إطلاقها على الله على وجه الإخبار، فيقال: الله شيء وموجود وهو سبحانه واجب الوجود وهو قديم، وهذه وإن لم ترد ألفاظها فقد ورد ما يستلزمها ويتضمنها، بل لفظ شيء قد جاء في القرآن كما في قوله تعالى: (قل أي شيء أكبر شهادة قل الله)، وجاء في السنة: "لاشيء أغير من الله".

ثم إن قوله: (وما أثبته أهل القرون) قد يفهم منه أنهم قد يثبتون ما لم يرد به نص من كتاب أو سنة، وليس المعول في إثبات الصفات على مجرد الإجماع، بل كل ما اتفق عليه أهل السنة فقد جاءت به النصوص، كما ذكر شيخ الإسلام رحمه الله في القاعدة الثانية من العقيدة التدمرية.

ثم إن بعض الفرق حدثت في القرون الثلاثة، فإن كان يريد الصحابة والتابعين فالمعنى صحيح، والله أعلم.


السؤال السادس:

هل الرجوع لكتب اللغة التي تعني بالأصول اللغوية للكلمات مفيد في معرفة المعنى الكلي المشترك للصفة ككتاب معجم مقاييس اللغة لابن فارس رحمه الله؟ وقد ورد في هذا الكتاب أن أصل الضحك هو "دليل الانكشاف والبروز " فهل يقال بأن هذا هو أصل معنى الضحك الذي نثبته ونفهمه فقط خصوصاً وأنه قد أدخل في هذا المعنى ضحك السحاب وضحك الزرع!؟ إن كان الجواب بنعم فلما قال الأعرابي "لن نعدم من رب يضحك خيراً"؟ ثم أليس هذا المعنى أخفى من لفظ الضحك نفسه الذي يفهمه كل أحد بحسب ما يضاف إليه؟

الجواب:

ما ذكره ابن فارس من معنى كلي للضحك ليس بصحيح، فلا يصح أن يقال ضحك الله انكشاف، بل الانكشاف لا يفسر حقيقة الضحك، لكن هذه محاولة من ابن فارس ويظهر أنه قال ذلك بناء على أن ضحك الإنسان يتضمن انكشاف موضع الضحك، فيكون هذا التفسير أقرب لما يناسب المخلوق، وأما ضحك الرب فإنه معنى الله أعلم بحقيقته، لكن دلت موارده على أنه يتضمن الرحمة والرضا، كما في حديث يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر، وحديث فيظل يضحك يعلم أن فرجكم قريب، ولهذا قال الأعرابي: لن نعدم من رب يضحك خيراً.


السؤال السابع:

إذا كان المعنى المشترك الكلي هو أصل معنى اللفظ في لغة العرب وكان المنقول عن العرب أكثر من معنى لإطلاق اللفظ فكيف السبيل لمعرفة المعنى المشترك الكلي ؟ فمثلاً ذكر بعض أهل اللغة أن اليد هي الكف وذكر بعضهم أنها من أطراف الأصابع إلى الكف وآخرون أنها من أطراف الأصابع إلى المنكب وغيرهم أنها من أطراف الأصابع إلى الكتف ، وقد ثبت عن بعض الصحابة فمن بعدهم إطلاق اليد وإرادة من أطراف الأصابع إلى المنكب.

الجواب:

هذه التفسيرات من بعض أهل اللغة لليد راجعة إلى اختلاف المراد بها في مختلف سياقات الكلام، فتارة يراد بها هذا، وتارة يراد بها هذا، وتارة يراد بها هذا، فالسياق هو الذي يحدد المراد من هذه المعاني، وقد تحدد المراد أدلة خارجة عن السياق الذي ورد فيه لفظ اليد، ويد الإنسان يعلم بالحس أن لها أصابع وكفاً وذراعاً ومرفق وعضداً، ويعرف المراد من هذه بحسب ما يرد فيه ذكر اليد، ولا يشتبه هذا على أكثر الناس، فإذا قيل فلان له يدان، شمل ذلك كل ما يدخل تحت هذا الاسم، وإذا قيل: لمسه بيده كان المتبادر أنه لمسه بكفه، وإذا قيل: قطعت يده، فالغالب أنه يراد قطع الكف، ولما أخبر سبحانه أنه خلق آدم بيديه وأنه يأخذ السماوات والأرض بيده، علمنا أن لله يدين يخلق بهما ويبسطهما ويقبضهما ويقبض ما شاء بهما، ولا نزيد على هذا إلاّ ما جاء به الدليل، كإثبات الأصابع له سبحانه وتعالى، ولا يجوز لنا أن نتخيل كيفية يده، فإن ذلك مما يستحيل الوصول إليه، ولا يحيطون به علماً.


السؤال الثامن: هل يصح قول إن المعنى المشترك الكلي للصفات هو الظاهر المتبادر إلى ذهن الموحد سليم الفطرة الذي يفهم لغة العرب ؟ وما دخل التوحيد والفطرة في هذا الأمر ؟ وهل كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا سمعوا آيات الصفات قبل إسلامهم يتبادر إلى ذهنهم أمر مغاير لما يتبادر إليها بمجرد إسلامهم ؟

الجواب:

الحمد لله لا ريب أن الصحابة ممن من الله عليهم بالإسلام وغيرهم من أهل اللسان يفهمون معاني هذه الأسماء وهذه الألفاظ، فيعقلون معنى الحياة والسمع والبصر والعلم والقدرة والغضب والاستواء والعزة والرحمة والإرادة ومعنى الوجه والعين واليد وغير ذلك مما جاء مضافاً إلى الله تعالى.

ولكن من لم يؤمن بالقرآن ويدخل في الإسلام قد يكذب بذلك كله أو بعضه، وما يقر به قد تكون له تصورات تدور في خياله ويتوهمها، فقد يتصور تكيفاً أو يتصور تمثيلاً، ومنشأ ذلك الجهل ووساوس الشيطان، كما قد يتلقى شيئاً من ذلك من أبويه فيكون مقلداً لهما، ولمن قبلهما (إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون)، وأما مَنْ مَنَّ الله عليه بالإيمان بالله ورسوله، ودخل في الإسلام، فإنه يفهم معاني هذه الأسماء والألفاظ فهماً بريئاً من آثار الجاهلية، بل يفهمها على الوجه الموافق لبيان الله ورسوله، فإنه تعالى لما أخبر عن نفسه بهذه الأسماء وهذه الصفات بين أن ليس كمثله شيء وليس له ند ولا كفؤ ولاسمي، وبين تعالى أن العباد لا يحيطون به علماً، فأثبت الصحابة والمؤمنون من بعدهم ما أثبته الله لنفسه كما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة، فآمنوا بأنه تعالى ثابتة له هذه الصفات، ولكنها لا تماثل صفات المخلوقين، ولا يحيطون بها علماً، فلا يعلمون حقائقها وكيفياتها، فهم يعلمون ويؤمنون بأنه تعالى حي قيوم سميع بصير عليم قدير، وأنه يتكلم ويغضب ويرضى إلى غير ذلك مما وصف الله به نفسه ووصفه به رسوله، ويفهمون معاني هذه الصفات، فالحياة ضد الموت، والسمع ضد الصمم وهو إدراك الأصوات، والبصر هو إدراك المرئيات، فيفهمون من معنى أنه سميع بصير أنه سميع لأصوات العباد، وأنه تعالى يراهم كما قال لموسى وهارون عليهما السلام: (إنني معكما أسمع وأرى)، وهم يؤمنون بأنه لا يلزم من إثبات هذه الصفات مماثلته تعالى لخلقه.

وإن كان بين أسمائه وصفاته، وأسماء بعض العباد وصفاتهم قدر مشترك، فإن توهم التشبيه بسبب ثبوت القدر المشترك هو من الباطل الذي قام عليه مذهب أهل التعطيل، حيث زعموا أن إثبات الصفات لله يستلزم التشبيه، وتفرع عن هذه الشبهة شبهات، وحصل الافتراق بين الأمة في هذا الباب، وعصم الله أهل السنة والجماعة فلزموا ما كان عليه الصدر الأول، قبل أن تحدث المحدثات، وتثار الشبهات، والله أسأل أن يهدينا إلى الحق بإذنه إنه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، والله أعلم.


السؤال التاسع: ما الحيلة فيمن تشوهت فطرته ، وكيف سيفهم المعنى الصحيح للصفات الخبرية؟

الجواب:

من تشوهت فطرته فالحيلة أن يدعى ويعلم ويدعى له، وإذا صحت نيته في معرفة الحق فحري أن يهديه الله، وأن يلهمه الصواب، أما إن غلب عليه التعصب للمذهب والآراء والآباء والشيوخ فالأحرى به ألا يوفق لمعرفة الحق وقبوله، قال الله تعالى: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين)، وقال تعالى: (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون)، ولا يملك هداية القلوب إلاّ الله: (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء)، فالداعي إلى الله لا يملك إلاّ البلاغ كما هو شأن الرسل صلوات الله وسلامه عليهم: (فهل على الرسل إلاّ البلاغ المبين)، (إن عليك إلاّ البلاغ)، وقال تعالى: (وما أرسلنا من رسول إلاّ بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم).


السؤال العاشر: هل المعنى المشترك الكلي لصفة ما هو المعنى الموجود في كل من يتصف بهذه الصفة على الحقيقة؟ وهل يكفي في معرفة هذا المعنى المشترك بين موصوفين بنفس الصفة مجرد اتصاف كل منهما بها، أم لا بد من شيء زائد إذ قد يكون في صفة أحدهما من المعاني ما ليس في نفس الصفة في الآخر؟ وإن كان الجواب نعم فما هو هذا الشيء الزائد؟

الجواب:

القدر المشترك هو مسمى الاسم المطلق، أي غير المضاف، ومسمى الاسم المطلق غير موجود في الخارج، لكنه ثابت لكل من صح إطلاق هذا الاسم عليه، كمطلق الوجود فإنه ثابت لكل موجود، وهذا حكم جميع الأسماء المتواطئة، أي: المتفقة في معنى هذا الاسم العام، لكن إذا أضيف الاسم المطلق دل على القدر المشترك مقيداً بما يختص به المضاف إليه، فوجود الله هو وجودٌ واجبٌ قديمٌ لا يجوز عليه الحدوث ولا العدم، ووجود المخلوق وجود ممكن محدث يجوز عليه العدم، وبهذا يعلم أنه لا يوجد في الخارج إلاّ ما هو معين مختص، فكل من المسميين أو الموصوفين بصفة لا يشركه فيها الآخر، لكنه يشركه في مطلق هذا الاسم وهذا الوصف؛ فالعالمان كل منهما مستقل بعلمه مختص به، لكنهما مشتركان في مطلق العالِمية، أو مطلق عالِم، والمعنى المطلق للعالم أو العالمية مشترك بينهما، لكن هذا المشترك لا يوجد إلاّ في الذهن، فعلم أن لا اشتراك بينهما في أمر موجود في الخارج، وقس على هذا سائر الأسماء المتواطئة، وهي الأسماء العامة سواء تفاضل المعنى في أفرادها أو تساوى، والله أعلم.


السؤال الحادي عشر: هل صواب أن يقال: إن المعنى المشترك الكلي الذي نثبته لصفات الله عز وجل هو الذي يفهم من خلالــه أحكام الصفات وأفعالها التي يصح تعلقها بها ولوازمها وآثارها ؟

أو أن يقال: إن المعنى المشترك الكلي هو الذي يفهم من خلال أحكام الصفة وأفعالها وآثارها ولوازمها التي أخبرنا الله عنها ويكون موجوداً في كل من يتصف بهذه الصفة ؟

إذ على الثاني فإننا قد فهمنا من إخبار النبي r عن صفة الأصابع أن الله عز وجل يقلب قلوب العباد بين أصبعين منها، وفهمنا من حديث الحبر «أن الله سبحانه يضع الأرضين على إصبع والسماوات على إصبع والجبال على إصبع »... الحديث، فمعنى التقليب موجود في أصابع الإنسان فعلمنا بخبر النبي r أنه معنى مشترك، ومعنى وضع الأشياء على الأصابع موجود في أصابع الإنسان فعلمنا بالخبر كذلك أنه معنى مشترك.

أما على الأول فإنه لو لم يأت الشرع بأي شيء عن صفة الأصابع سوى ذكر أن لله أصابع فإننا سنفهم من خلال المعنى المشترك ـ بعد أن نعرف ما هو أولاً ـ أحكام الأصابع والأفعال التي يصح تعلقها بها ولوازمها وآثارها، فهل يمكن إن صح هذا الأول أن يقال: من معاني صفة الأصابع لله أنه يصح أن يشير بها سبحانه وأن هذا معنى مشترك بينها وبين أصابع الإنسان؟

الجواب:

تقدم أن المعنى المشترك أو القدر المشترك هو مسمى الاسم المطلق، فيثبت هذا المعنى لكل ما يصدق عليه هذا الاسم، وكل ما يثبت من الأحكام للمعنى المشترك يكون ثابتاً للمسمى بهذا الاسم، فلوازم القدر المشترك تثبت لكل من ثبت له القدر المشترك، فلوازم القدر المشترك مشتركة، لأن ثبوت الملزوم يقتضي ثبوت اللازم، وأحكامها من وجوب أو جواز أو امتناع هي كذلك مشتركة، فمثلاً الإنسان اسم لكل آدمي، فالقدر المشترك ثابت لكل فرد من بني آدم، وهذا القدر يستلزم وجوباً الآدمية والحيوانية والحدوث والإمكان.

وثانياً: يستلزم امتناع أن يكون ملكاً أو جنياً والفرض أنه إنسان، وامتناع أن يكون واجب الوجود.

ثالثاً: ويستلزم جواز أن يكون مؤمناً أو كافراً، عالماً أو جاهلاً، قادراً أو عاجزاً، فما ذكر من هذه الأحكام من وجوب أو جواز أو امتناع هي مشتركة بين من يسمى بهذا الاسم: (الإنسان)، ويقال مثل ذلك في كل اسم يطلق على الخالق والمخلوق، وكل صفة تطلق على الخالق والمخلوق؛ كالموجود والوجود، والحي والحياة، والسميع والسمع، والبصير والبصر، والعالم والعلم، وكل ما يستلزمه الاسم المطلق أي: المجرد عن الإضافة وجوباً وجوازاً وامتناعاً فإنه مشترك، فإن كان الملزوم مشتركاً كان اللازم مشتركاً، فإن ثبوت الملزوم يقتضي ثبوت اللازم ولابد، فثبوت هذه الأسماء أو هذه الصفات يستلزم نفي ضدها، فهذا اللازم مشترك فيجب نفي ضد هذه الأسماء والصفات عن كل من ثبتت له.

ومطلق العلم أو السمع أو البصر يستلزم الحياة، فكل من ثبتت له هذه الصفات ثبت له هذا اللازم، فهذا اللازم مشترك؛ لأنه من لوازم القدر المشترك للعلم والسمع والبصر.

وعلى هذا فالأصابع جاءت مضافة إلى الله ومضافة إلى الإنسان، فالقدر المشترك أن الأصابع التي يكون بها الفعل لليد، وعلى هذا فالله تعالى يفعل بيده وبأصابعه ما شاء على ما يليق به مما أخبرنا به أو لم يخبرنا به، فمما أخبرنا به في كتابه أو لسان رسوله r: خلق آدم بيديه، وأخذه السماوات والأرض بيديه، وجعله ما شاء على أصابعه، وكون القلوب بين أصبعين من أصابعه يقلبها كيف يشاء، وكل ذلك يثبت لله على ما يليق به، لا يماثل صفات المخلوقين وأفعالهم.

والإنسان يفعل بيديه وبأصابعه ما يناسب قدرته وإرادته، فمطلق اليد والأصابع، والفعل باليد وبالأصابع ثابت للخالق والمخلوق، كل على ما يليق به، كما يقال ذلك في جميع الصفات التي تضاف إلى الخالق أو تضاف إلى المخلوق.

والإشارة بالأصابع تدخل في جنس الفعل فيكون جوازها من لوازم القدر المشترك، وما ثبت جوازه على الرب فإنه لا يجوز إثباته أو نفيه إلاّ بدليل، وثبوت مطلق الفعل لا يستلزم القدرة على كل فعل، ولهذا اختص الرب بأنه فعال لما يريد وأنه على كل شيء قدير، واختص المخلوق بقصور القدرة وقصور الإرادة فلا يقدر على كل ما يريد، ولا يفعل كل ما يريد، واختص الرب بكمال القدرة وكمال الإرادة، واختص المخلوق بالنقص في القدرة والفعل والإرادة، والله أعلم.


السؤال الثاني عشر: ما الجواب المناسب إذا قال المخالف في ما ورد في ضحك ربنا سبحانه: نحن لا نعرف الضحك إلا هذا الذي نشاهده في الإنسان وهو المتبادر للفظ الضحك بإطلاق فإما أن تشبهوا الله بالإنسان وإما أن تثبتوا الضحك كصفة فقط ويقال: ما نعلمه من معنى ضحك الله هو فقط أن هذا الضحك دليل على إرادة الرحمة والإحسان كما قال الأعرابي: ((لن نعدم من رب يضحك خيراً))؟

الجواب:

ما ورد في هذا السؤال هو شبهة كل من نفى حقائق الصفات الفعلية من المحبة والرضا والغضب والفرح والضحك، بل هي شبهة كل من نفى صفات الله أو شيئاً منها، وهي أنهم لا يعقلون من هذه الصفات إلاّ ما يشاهدونه ويعلمونه من أنفسهم فيلزم عندهم من إثبات هذه الصفات لله تشبيهه بالمخلوق، ففروا من ذلك بنفي حقائق الصفات عن الله، ورأوا أنها لا تثبت لله إلاّ على نحو ما هي ثابتة للمخلوق فيجب نفيها، ثم وقفوا من النصوص الدالة على إثبات هذه الصفات لله أحد موقفين:

إما التفويض والتجهيل، وأنه لا سبيل إلى فهم معانيها، وإما تأويلها بصرفها عن ظواهرها.

فالجهمية والمعتزلة طردوا هذا في جميع الصفات، والأشاعرة ونحوهم فرقوا بين الصفات بلا فرقان، فلزمهم التناقض في إثباتهم ونفيهم وتأويلهم، كما أن التناقض لازم للجهمية والمعتزلة كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "كل واحد من النفاة لما أخبر به الرسول من الصفات لا ينفي شيئاً فراراً مما هو محذور إلا وقد أثبت ما يلزمه فيه نظير ما فر منه".

فيقال لصاحب هذا السؤال يلزمك أن تقول مثل هذا في سائر صفات الله الفعلية بل والذاتية ليس هذا خاصاً بالضحك والفرح، وأهل السنة -ولله الحمد- يؤمنون بكل ما أخبر الله به عن نفسه، وما أخبر به عنه رسوله r، وينزهونه عن مماثلة المخلوقات، ولا يكيفون صفاته بل يفوضون العلم بالكيفيات فيقولون: لا يعلم كيف هو إلاّ هو.

ولا يعلم كيفية صفاته إلاّ هو على حد قول الإمام مالك وغيره: الاستواء معلوم، والكيف مجهول.

وقول الإمام مالك هذا منهج يحتذى في جميع الصفات، فيقال: النزول معلوم، والكيف مجهول، والغضب معلوم، والكيف مجهول، والفرح معلوم والكيف مجهول، والضحك معلوم والكيف مجهول، ومعلوم أن الفرح ضد الحزن، والضحك ضد البكاء، كما قال تعالى: (وأنه هو أضحك وأبكى)، فالله يوصف بالفرح دون الحزن، وبالضحك دون البكاء، وفرحه تعالى وضحكه من توابع محبته وتعجبه، كما في حديث لله أشد فرحاً بتوبة عبده من أحدكم ...الحديث، وحديث يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر... الحديث، فمُورِد هذا السؤال في خصوص الضحك يلزمه أن يقول بقول الأشاعرة في ما نفوه ثم فوضوا أو تأولوا ما جاء في النصوص، بل يلزمه أن يقول ما قاله في صفة الضحك بقول المعتزلة والجهمية في جميع الصفات فإن الشبهة واحدة كما تقدم، والتناقض لازم له على كل تقدير، ولا يخلصه إلاّ الإيمان بكل ما جاء عن الله ورسوله على منهج السلف الصالح والصحابة والتابعين لهم بإحسان والله أعلم.


السؤال الثالث عشر: قال ابن فارس في المقاييس الضحك دليل الانكشاف والبروز، وقد قال أبو رزين رضي الله عنه لما علم من النبي r أن الله يضحك ، لن نعدم من رب يضحك خيراً، فهل يصح أن يقال: إن الضحك صفة فعلية متعلقة بمشيئة الله وإرادته و أنها تدل على عَجَب الله من خلقه أو فرحه بهم وأن من آثار معرفة العبد بها أن يعلم إرادة الخير منه سبحانه لخلقه بدليل إقرار النبي r أبا رزين على فهمه؟ وهل اعتقاد أن ضحك الرب يُرى دون اعتقاد ما يلزم من ذلك مما لم يأت به الخبر كالفم والأسنان يكون تشبيهاً؟

جوابه يراجع فيه ما سبق؛ السؤال الثاني عشر، والسؤال الرابع.


السؤال الرابع عشر: هل أصل معنى اليد هو الكف ؟وما الظاهر المتبادر من يد الله على حسب لغة العرب شيخنا الكريم؟ وما معنى الصفات التالية: الساق، الضحك، الإصبع.

الجواب:

يرجع في جواب هذا السؤال إلى الأسئلة المتقدمة؛ الثاني عشر لمعرفة الكلام في الضحك، والأول والسابع والحادي عشر لمعرفة الكلام في الضحك واليد، وأما الساق فقد دلت السنة الصحيحة عليها كما في صحيح البخاري: "ينادي مناد ليذهب كل قوم إلى ما كانوا يعبدون"، وفيه "حتى يبقى من كان يعبد الله"... "قال: فيأتيهم الجبار"... "فيكشف عن ساقه، فيسجد له كل مؤمن" ..الحديث.

وأما الآية فقد اختلف فيها فمنهم من فسرها بالساق التي هي لربنا، ومنهم من فسرها بالشدة، والآية محتملة، لكن مع ورود الحديث يترجح حمل الساق على الصفة، ويُفَسِّر الآية، فإن الحديث والآية متطابقان.

والقول في الساق كالقول في اليد والأصابع؛ نثبت المعنى، من غير تعطيل ولا تمثيل ولا تكييف.

ونعلم أن الساق من شأن الرجل، كما أن الأصابع المذكورة في حديث الحبر من شأن اليد، والجميع عند أهل العلم والإيمان ليس فيه أي إشكال، وإنما تشكل على الذين يسبق إلى أذهانهم توهم التشبيه، فيلجؤون إلى التعطيل مع التفويض، أو التأويل الذي حقيقته التحريف.

ومن عوفي فليحمد الله، وليسأل الله الهدى لما اختلف فيه من الحق بإذنه، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.


السؤال الخامس عشر والأخير: بالنسبة للطول والعرض في حق الله سبحانه، هل يقال بأن هذه الألفاظ مجملة فإن كان المقصود بأن الله لا يرى منه شيء دون شيء ويعلم منه شيء دون شيء ويتميز منه شيء دون شيء وأنه يشار إليه وأن المخلوقات كلها في قبضته ((وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ)) وكما قال عبد العزيز الماجشون : (( والله ما دلهم على عظيم ما وصف من نفسه ، وما تحيط به قبضته إلا صغر نظيرها منهم عندهم ، إن ذلك الذي ألقى في روعهم وخلق على معرفته قلوبهم )) فهذا المقصود حق والألفاظ مبتدعة وإن كان المقصود شيء آخر كأن يقبل أن ينقسم ويتفرق ونحو هذا فهذا باطل ينافي كمال الصمدية وإن كان شيء آخر فليبين. وهل "المقدار" مصطلح شرعي للتعبير عن المعنى الأول الصحيح استنباطاً من الآية السابقة يا شيخنا؟

الجواب:

قال الله تعالى: (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير)، وقال تعالى: (ولا يحيطون به علماً)، وقال تعالى: (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار)، ففي هذه الآيات دلالة على ما يجب الإيمان به، وهو مذهب أهل السنة والجماعة، من أنه تعالى لا مثل له، فليس كمثله شيء في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، ولا يحيط العباد به علماً ولا رؤية، وذلك يدل على امتناع العلم بكيفية ذاته، أو كيفية صفاته، فلا يعلم كيف هو إلاّ هو، ولا يعلم كيفية صفاته إلاّ هو، فالعباد لا يعلمون من شأن الله إلاّ ما علمهم، ولا يرونه إلاّ كيف شاء، وما ورد في السؤال من ذكر الطول والعرض هو مما لا يجوز التكلم به لا نفياً ولا إثباتاً، لأنه يدخل في باب كيفية ذات الباري سبحانه وتعالى، والتفكير فيه هو من التفكير فيما لا سبيل إلى الوصول فيه إلى شيء، ونقول في مثله لا تُفكِر، ولا تسأل، ولا تحكم، كما قال ابن عباس رضي الله عنهما: تفكروا في مخلوقات الله، ولا تفكروا في ذات الله. ونقول آمنا بالله الحي القيوم، العلي العظيم، الكبير المتعال، لا علم لنا إلاّ ما علمناه، ونعوذ به أن نقفوا ما ليس لنا به علم، أو نكون من المتكلفين، (سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)، هذا ما تيسر والله أعلم.